على مدار أكثر من 150 عامًا، كررت الأسواق المالية النمط نفسه مرارًا: تظهر صناعة ثورية جديدة، يتدفق المستثمرون نحو عدد محدود من الشركات المهيمنة، ترتفع التقييمات بشكل هائل، ثم يصل السوق إلى مستويات خطيرة من التركّز.
واليوم، يرى كثير من المحللين أن الذكاء الاصطناعي قد يكون بصدد تشكيل النمط نفسه.
مجموعة صغيرة من عمالقة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي — مثل إنفيديا ومايكروسوفت وأبل وأمازون وميتا وألفابت وبرودكوم وAMD وTSMC — أصبحت تقود الجزء الأكبر من مكاسب الأسواق العالمية.
وتشير التقديرات إلى أن الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تمثل نحو 40% من مؤشر S&P 500، وهي نسبة ارتبطت تاريخيًا بمراحل متقدمة من الفقاعات المالية.
وقد ظهر هذا النمط عدة مرات في التاريخ الاقتصادي الحديث.
في أواخر القرن التاسع عشر، سيطرت شركات السكك الحديدية على سوق الأسهم الأمريكية، بعدما اعتقد المستثمرون أن هذا القطاع سيعيد تشكيل الاقتصاد بشكل دائم. لكن بعد أزمة 1873 انهارت أسهم السكك الحديدية، وفشلت بنوك عديدة، ودخل الاقتصاد الأمريكي في فترة ركود طويلة.
وبعد نحو قرن، ظهرت فقاعة “Nifty Fifty” خلال أواخر الستينيات وبداية السبعينيات، حين ركز المستثمرون أموالهم في مجموعة صغيرة من أسهم النمو العملاقة التي اعتُبرت شركات لا يمكن خسارتها. ومع ارتفاع التضخم وأسعار الفائدة، انهارت الأسواق وتكبدت تلك الأسهم خسائر حادة.
أما اليابان، فقد شهدت واحدة من أكبر الفقاعات المالية في أواخر الثمانينيات، عندما وصلت الأسهم اليابانية إلى نحو 44% من القيمة السوقية العالمية. وارتفعت أسعار الأسهم والعقارات بشكل مبالغ فيه قبل أن تنفجر الفقاعة لاحقًا، ليفقد مؤشر نيكاي أكثر من 80% من قيمته وتدخل اليابان في عقود من الركود الاقتصادي.
ثم جاءت فقاعة الإنترنت في عام 2000، عندما سيطرت شركات التكنولوجيا والاتصالات على الأسواق المالية، واندفع المستثمرون نحو شركات الإنترنت حتى وإن كانت بلا أرباح أو إيرادات حقيقية. وعندما تغيرت المعنويات، انهار مؤشر ناسداك بنحو 80% خلال عامين فقط.
واليوم، أصبح الذكاء الاصطناعي هو القصة الاستثمارية الأكبر في الأسواق.
فالمليارات تتدفق باستمرار نحو الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي عبر صناديق المؤشرات، والصناديق الاستثمارية السلبية، وحسابات التقاعد، ومنتجات الاستثمار المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
لكن في المقابل، تتزايد المخاوف من مخاطر التركّز، حيث أصبحت الأسواق تعتمد بشكل كبير على استمرار عدد محدود من الشركات في تحقيق معدلات نمو استثنائية. وأي تباطؤ في هذه التوقعات قد يضغط على السوق بأكمله.
التاريخ لا يضمن حدوث انهيار وشيك، لكنه يوضح حقيقة مهمة:
عندما تصبح قوة السوق مركزة بشكل مبالغ فيه داخل عدد قليل جدًا من الشركات، ترتفع المخاطر المالية بشكل كبير.
ويبقى السؤال الأهم الآن: هل يمثل الذكاء الاصطناعي ثورة اقتصادية حقيقية طويلة الأجل، أم أنه الفقاعة الكبرى التالية؟